نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز تقريرًا مطولًا للصحفي نبيه بولص، تناولت فيه الخلاف المتصاعد بين السعودية والإمارات في اليمن، معتبرة أن مساعدة أبوظبي في تهريب الزعيم الانفصالي الجنوبي عيدروس الزبيدي شكّلت لحظة كاشفة لتباين عميق في سياسات بلدين تحالفا عسكريًا في اليمن ويُعدّان من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

 

وبحسب التقرير، كان الزبيدي عالقًا في مطار عدن بعد تلقيه دعوة سعودية للتوجه إلى الرياض، دعوة لم يكن قادرًا على رفضها صراحة، لكنه لم يكن راغبًا في تلبيتها. حاول كسب الوقت عبر التدقيق في تفاصيل البروتوكول، ما أدى إلى تأخير إقلاع الطائرة لساعات. وكان يدرك أن ما ينتظره في الرياض لن يكون في صالحه، فواصل المماطلة إلى أن تلقى اتصالًا أبلغه بأن خطة الهروب باتت جاهزة.

 

تحرك الزبيدي على عجل برفقة خمسة من كبار مساعديه إلى قاعدة عسكرية في عدن، حيث جرى إعداد قافلتين للتمويه. ثم شق طريقه برًا نحو الساحل القريب، في وقت كانت طائرة مسيّرة إماراتية تراقب التحركات من الجو. وبحلول الصباح الباكر، كان على متن سفينة متجهة إلى الصومال، قبل أن يستقل طائرة إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي.

 

وأكدت الصحيفة أن تفاصيل عملية الهروب جرى التحقق منها عبر مسؤولين مقيمين في عدن، وعناصر ميليشيات، وعمال موانئ، إضافة إلى تصريحات غاضبة لمسؤولين عسكريين سعوديين، معتبرة أن هذه الحادثة مثّلت نقطة تحول خطيرة في نزاع آخذ في التصاعد بين حليفين رئيسيين لواشنطن، صراع لا يهدد فقط وحدة اليمن، بل ينذر بمفاقمة معاناة شعب يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

تصعيد سياسي وعسكري يضع اليمن على المحك

 

نقلت الصحيفة عن محمد الباشا، الخبير المقيم في الولايات المتحدة ومؤسس شركة “تقرير الباشا” المتخصصة في إدارة المخاطر في الشرق الأوسط وأفريقيا، قوله إن الغضب السعودي بلغ مستوى غير مسبوق. وأضاف: “لم أر السعوديين غاضبين إلى هذا الحد من قبل… يشعرون بأن الإمارات لم تكن وسيطًا نزيهًا في اليمن وخارجه، ويشعرون بالخيانة”.

 

وترى لوس أنجليس تايمز أن هذا الخلاف هو نتيجة مسار طويل من التباينات الجيوسياسية والتجارية، حوّل الرياض وأبوظبي تدريجيًا من حليفين وثيقين إلى منافسين، ثم إلى خصمين فعليين. وقد انعكس هذا التنافس في مناطق عدة من الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، مع تحذيرات من أن الصراع بين أكبر منتجي ومصدري الطاقة قد يربك الأسواق العالمية والاستثمارات، ويقوض خطط الإدارة الأميركية التي تعتبر البلدين شريكين أساسيين في التجارة والدبلوماسية.

 

وتصاعد التوتر بشكل دراماتيكي الشهر الماضي عندما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الزبيدي، على مساحات واسعة من جنوب اليمن كانت خاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا، وبدا على وشك إعلان دولة انفصالية في منطقة غنية بالموارد الطبيعية. وشكّل هذا التحرك صدمة للرياض، التي دخلت قبل أكثر من عقد في تحالف عسكري مع أبوظبي لمحاربة الحوثيين المدعومين من إيران، بعد سيطرتهم على صنعاء عام 2014.

 

ورغم أن المجلس الانتقالي، الذي تأسس عام 2017 بدعم إماراتي، انضم إلى الحملة ضد الحوثيين عام 2022 إلى جانب الحكومة المدعومة من السعودية، فإن خطوط المواجهة ظلت شبه مجمدة حتى التحرك الأخير. وبدا في البداية أن السعودية تتسامح مع تمدد المجلس، حتى في مناطق قريبة من حدودها، لكنها سرعان ما غيّرت موقفها، فشنت غارات جوية قالت إنها استهدفت شحنة أسلحة إماراتية للانفصاليين، وهو ما نفته أبوظبي، قبل أن تنفذ هجومًا خاطفًا أعاد المجلس إلى خارج المناطق التي سيطر عليها، ومهّد لعودة القوات الحكومية إلى عدن.

 

صراع الرؤى بين بن سلمان وبن زايد

 

في أعقاب هذه التطورات، طالبت الحكومة اليمنية الإمارات بإنهاء وجودها العسكري في البلاد. ومع هزيمة المجلس الانتقالي شبه الكاملة، دعت السعودية – أو أمرت بحسب روايات – الزبيدي وأكثر من خمسين من قادة المجلس إلى الرياض لمناقشة مستقبل جنوب اليمن. وكان الزبيدي يخشى السجن أو إجباره على الاستسلام، فاختار الفرار، لتصفه السعودية بـ”الآبق”، بينما وجهت له الحكومة اليمنية تهمة الخيانة العظمى.

 

وبعد يوم واحد، ظهر أحد ممثلي المجلس الانتقالي في الرياض عبر التلفزيون اليمني الرسمي معلنًا حل المجلس، وهو قرار رفضه أعضاء المجلس خارج السعودية، مؤكدين أنه صدر تحت الإكراه، ومتهمين الرياض باحتجاز الوفد كرهائن. ولاحقًا، شارك أعضاء المجلس الموجودون في الرياض في “اجتماع تشاوري” حول مستقبل الجنوب، في خطوة رآها مراقبون محاولة سعودية لنفي تهمة الإكراه.

 

وترى الصحيفة أن جوهر الخلاف بين الرياض وأبوظبي يعود إلى اختلاف الرؤية بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد. فبن سلمان، الذي برز عام 2015 بسياسة خارجية هجومية شملت حرب اليمن وأزمة قطر، أعاد لاحقًا ضبط بوصلته نحو أولوية الاستقرار الإقليمي خدمةً لمشروعه الاقتصادي. في المقابل، تصف الصحيفة الإمارات بأنها قوة “مزعزعة”، إذ مضت في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبنت شبكة من القواعد والوكلاء والموانئ عبر البحر الأحمر وأفريقيا.

 

وتستشهد الصحيفة بالسودان كنموذج بارز، حيث يتهم معارضون الإمارات بدعم قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب فظائع جسيمة، وهو ما تنفيه أبوظبي رغم وجود ما تصفه الصحيفة بأدلة قوية تناقض الرواية الرسمية.

 

إعادة رسم التحالفات الإقليمية وتراجع النفوذ الإماراتي

 

منذ اندلاع الأزمة اليمنية، تصاعدت الحرب الإعلامية بين السعودية والإمارات، مع تبادل الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرسمية. ونظمت السعودية مؤخرًا زيارة إعلامية إلى مدينة المكلا، اتهمت خلالها الحكومة اليمنية الإمارات بإدارة سجن سري. وفي مناطق أخرى من الإقليم، تتسارع وتيرة إعادة تشكيل التحالفات.

 

فبعد وقت قصير من هروب الزبيدي، أعلنت الحكومة الصومالية إنهاء تعاونها الأمني والتجاري مع الإمارات، بما في ذلك امتياز تشغيل ميناء بربرة من قبل موانئ دبي العالمية، وهو الميناء الذي استخدمه الزبيدي في هروبه. كما أشار مراقبون إلى فقدان الإمارات تصاريح تحليق عسكري فوق مصر والسودان والسعودية، وإغلاق مطار الكفرة الليبي، الذي يُعد جزءًا مهمًا من خطوط الإمداد الإماراتية في السودان.

 

وفي الوقت الذي تعمل فيه الرياض على تفكيك الشبكة العسكرية الإماراتية، تسعى إلى بناء شبكة خاصة بها. ونقلت الصحيفة عن مسؤول صومالي أن السعودية تخطط لتحالف عسكري مع مصر والصومال، وضغطت لمنع إقامة قواعد إسرائيلية في أرض الصومال، فيما تشهد العلاقات السعودية-التركية تحسنًا لافتًا بعد سنوات من القطيعة. كما تعتزم الرياض شراء طائرات حربية صينية عبر باكستان لتزويد اليمن بها.

 

وفي الداخل اليمني، بدأت السعودية خطوات عملية لتقليص النفوذ الإماراتي، إذ وافقت على دفع رواتب جميع المقاتلين، بنحو 80 مليون دولار شهريًا، وأقصت سياسيين مدعومين من أبوظبي من المجلس القيادي الرئاسي، مستبدلة إياهم بوجوه أقرب إلى الرياض.

 

وتختم الصحيفة بالإشارة إلى أن مستقبل الدور الإماراتي في اليمن لا يزال غامضًا، إذ لم يتضح ما إذا كانت أبوظبي ستتقبل خسارة نفوذها بعد هزيمة المجلس الانتقالي. وينقل التقرير عن محمد الباشا قوله إن الإمارات قد تركز حاليًا على “القوة الناعمة” في جنوب غرب اليمن، لكن السؤال يبقى مفتوحًا حول ما إذا كان هذا المسار قد ينتهي بدعم تمرد مسلح جديد.